حصل فريق “نحن نسجل” على معلومات موثوقة من مصادر خاصة تفيد بوجود المواطن المصري “مدين إبراهيم محمد حسنين، 59 عاما” في مقر تابع لجهاز الأمن الوطني بمدينة الزقازيق في محافظة الشرقية، بعد أن قامت السلطات السودانية بتسليمه سراً إلى السلطات المصرية.

ويؤكد الفريق رفضه القاطع لسلوك السلطات السودانية الحالية بترحيل المعارض المصري “مدين حسنين” قسريا إلى بلاده ليواجه التعذيب وصنوفا عدة من المعاملة الحاطة بالكرامة فيها، ومن المؤسف أن تتم عملية الترحيل في ظل مرحلة تجلت فيها الإرادة الشعبية في السودان والتي تشكل على إثرها مجلس سيادي معبر عن الشعب ويعمل على تحقيق العدالة والحرية والكرامة والديمقراطية.

وكانت السلطات السودانية إبان حكم عمر البشير قد اعتقلت “مدين” في شهر نوفمبر 2018 بطلب من النظام المصري ليتعرض للإخفاء القسري عدة أشهر، لتأتي الثورة السودانية ويحدث تغيير؛ كان من ثمراته معرفة أن “مدين” مازال قيد الاحتجاز في السودان ولم يرحل بعد، ولكن في شهر سبتمبر الماضي نشر حقوقيون مصريون عن نية السلطات السودانية الجديدة ترحيله استجابة لطلب النظام المصري وبعد إثارة الأمر عبر مواقع التواصل الاجتماعي ووفق شخصيات سياسية مصرية معارضة؛ فقد وعدت السلطات السودانية بأنها لن تقبل بعد الثورة أن يتم ترحيل أي مصري ترحيلا قسريا إلى مصر بشكل يعرض حياته للخطر، وأنهم بصدد إنهاء إجراءات تسفيره لدولة يختارها هو ومواطنون مصريون آخرون محتجزون معه.

وكان قد طلب أحد وكلاء المخابرات السودانية واسمه “محمد أحمد فرح سليمان” ويحمل جواز سفر سوداني رقم “03429762” من الأطراف المصرية المهتمة بالمسألة مبلغ 3200 دولارا أمريكيا بغرض شراء تذاكر السفر لـ “مدين” ومواطنون آخرون محتجزون معه، وبالفعل تم تسليمه المبلغ، ولكن بعد فترة تبين أن “مدين” لم يغادر الأراضي السودانية.

ثم عاودت الأطراف المهتمة؛ الاتصال بوكيل المخابرات فأبلغهم أنه تم ترحيل أربعة منهم ترحيلاً اختياريا ومتبقي أربعة أخرون بينهم “مدين” سيتم تسفيرهم في دفعة ثانية ولكنه طلب مبلغ 4000 دولار أمريكي بدعوى حجز تذاكر بالرغم من أن المبلغ الأول كان يشمل تذاكر الثمانية أشخاص، وتم تسليمه المبلغ أيضا.

ووفق ما وثقه قسم التحقيقات بفريق “نحن نسجل” مع الأطراف المعنية فقد قال وكيل المخابرات السودانية إن إجراءات سفر “مدين” تعطلت وأكد في الوقت ذاته أنه لن يتم تسليمه إلى النظام المصري، ولكن ما توصل له الفريق كان عكس ذلك حيث نكثت السلطات بقيم الثورة والتي منها؛ عدم ترحيل المعارضين المتواجدين على أراضيها في ظل حكم ثورة شعبية نادت بالحرية؛ ويذكر أن التشريعات الدولية تحظر على الدول تسليم أو ترحيل أشخاص قسريا إلى بلد من المحتمل أن يتعرضوا فيه للتعذيب، ومن تلك المواد؛ المادة 3 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

جدير بالذكر أننا علمنا أن المواطن المصري “مدين حسنين” مدرج اسمه ضمن المتهمين في القضية المعروفة إعلامياً بـ “أنصار الشريعة” بالرغم من عدم تواجده في مصر وقت وقوع الأحداث، وأنه لم يقم بزيارة مصر منذ خروجه منها بشكل قانوني في شهر نوفمبر2013، وهو ما يشير إلى الكيدية في الاتهامات والانتقام السياسي منه؛ كونه صاحب رأي وفكر معارض تعرض بسببه للاعتقال الغير قانوني مرتين على أيدي جهاز أمن الدولة في عهد رئيس النظام المصري السابق محمد حسني مبارك.

وعليه فإننا نطالب السلطات المصرية بالكشف عن مصير مواطنها “مدين حسنين” وباقي المُرحلين معه في حال قيام السودان بترحيلهم، وعرضهم على النيابة فوراً في ظل إجراءات قانونية سليمة تكفل لهم كافة حقوقهم.

كما نطالب الحكومة السودانية بفتح تحقيق في الواقعة بما يليق بالسودان الجديد الباحث عن العدالة وإقامة القانون وإعلاء إرادة شعبه، ومحاسبة المسؤولين بإجراءات منصفة للضحايا الذين يواجهون بكل تأكيد الإخفاء القسري والتعذيب في مصر على خلفية مواقفهم السياسية الساعية لما تسعى له الثورة السودانية من مطالب عادلة.

خلفية

كان “مدين حسنين” قد تعرض للاعتقال مرتين خلال حكم الرئيس المصري المخلوع “حسني مبارك”؛ الذي اشتهر عهده بوقائع الاعتقال التعسفي للأشخاص بموجب خطاب اعتقال يصدره وزير الداخلية حينها اللواء حبيب العادلي.

ففي عام 2006 اعتٌقل مدين على يد مباحث أمن الدولة “الأمن الوطني حاليا” وظل قابعا في المعتقل دون اتهامات لما يقرب من عامين حتى أُفرج عنه في عام 2008.

ثم عاودت مباحث أمن الدولة اعتقاله عام 2010، ليتعرض هذه المرة للاختفاء القسري لمدة 3 أشهر واجه خلالها أبشع أنواع التعذيب البدني والنفسي بسبب اعتراضه على تكرار اعتقاله بدون اتهامات وخارج إطار القانون.

وفي 14 أغسطس 2018 قضت دائرة الإرهاب بمحكمة جنايات القاهرة “دائرة استثنائية” برئاسة المستشار محمد شيرين فهمي بالإعدام على ثلاثة أشخاص في قضية أنصار الشريعة وأحكام بالسجن 25 عاما على 4 متهمين والسجن المشدد 15 عاما على 7 أشخاص؛ بينهم “مدين حسنين” غيابيا على خلفية اتهامات بقتل واستهداف رجال الشرطة وتأسيس والانضمام لجماعة أسست على خلال الدستور والقانون خلال الفترة من أغسطس 2013 حتى مايو 2018، وكان نصيب مدين من الاتهامات وفق قرار الإحالة الصادر في أغسطس 2014، هو فقط الانضمام لجماعة أسست على خلاف الدستور والقانون في فترة لم يكن موجودا فيها داخل مصر كما انطلقت أولى خطوات القضية ووقائعها بعد مغادرة مدين مصر من إحدى الموانئ الجوية المصرية بشكل طبيعي.

وتخضع مثل هذه القضايا التي تنظرها دوائر الإرهاب لاعتبارات سياسية وإجراءات لا تراعي نصوص القانون من تغاضي عن تعذيب يتعرض له المتهمون للاعتراف على الاتهامات ومحاضر وتحريات الشرطة والأمن الوطني التي تعتمد عليها تلك الدوائر في إصدار أحكامها دون الالتفات لأي معايير قانونية أخرى، كما لا تتوافر أمامها ضمانات المحاكمة العادلة وهو ما يثير الشبهات أكثر حول سلامة ما تم وما سيتم من إجراءات بخصوص “مدني حسنين”.

نحن نسجل

17 أكتوبر 2019

القاهرة – مصر