أخي خالد، قد لا تسعفني الكلماتُ في ذكرِ مواقفه، ولكنّي وذات يومٍ علّمني كيف للإنسان أن يزرع الحياة في نبتةٍ فقدَ الجميعُ فيها الأمل، فكيف للكلمةِ أن تُحييَ ميت وتُميت حي!.

في الحيّ الذي يسكن فيهِ خالد تورّطَ صبيٌ يبلغ من العمرِ أربعةَ عشر عامًا مع رفاقهِ بقتلِ حارسِ مبنى عن طريقِ الخطأ، حاولوا سرقةَ دراجةٍ ولمّا رأوه حاولوا الهرب بضربهِ على رأسه فخرّ الرجلُ صريعًا..

حُكمَ على الصبي بخمسةِ سنواتٍ وتم العفو عنه بعد ثلاثةِ سنواتٍ لحسنِ سلوكِه، لكنّه خَرجَ منبوذًا مرفوضًا حتى من أهلِه، عَقد خالد العزم والتقى والده بعد الصلاةِ بالمسجدِ وطلب منه أن يلتقي ابنه، كان الأبُ غاضبًا عليه من فعلته فطلبَ ألا يكونَ في حضرته..

طرقنا بابه فاستقبلنا أخاه الأصغر مُتعجبًا، فمن ذا الذي يسأل عن أخيه المنبوذ! ما أن لمحَنا حتى هَروّل إلى خالدِ باكيًا يُقبّلُ رأسَه، لقد كُنّا نعرفه لكنّه تغير كثيرًا!

جَلس أمامهُ خَجلًا مِنْ فِعلته باكيًا، يروي على أسماعِه القصة، حَدّثه بصوتٍ مرتعش:

– لقد تسببت في تيتيمِ أطفالٍ دون قصد، أكره نفسي..

حكى كيف كان يهربُ حتى لا يلاقي الناسَ، حينها طمأنه خالد، ضمهُ إلى صدره ثم تلى عليه آياتِ التوبة، وكيف أن الله يغفر الذنوب جميعًا إن أتيناهُ بقلبٍ صادق، وكأن خالد انتشل همًا بحجمِ جبلِ أحد من على صدره، عادَ الأملُ من جديد، كُنّا عِنده في العِشاء فصلى بيننا في الفجرِ وعلى عهدهِ حتى يومنا هذا!

خالد محمد الشيبة النعيمي ، تسعة وستون عامًا، تم اعتقاله في السادس عشر من يوليو لعام ألفين واثني عشر، بقي في الإخفاء القسري ثمانِ أشهر وتم الحكم عليه بالسجنِ عشرِ سنوات لعضويته بجمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي، بعد شهرين يكمل خالد السنة الثامنة له بعيدًا عن أهله..